موسى الصدر قدر ودور

لم يكن الدكتور حسين كنعان, وأثناء حديثي الهاتفي معه, ليوافق على رواية بعض من شريط ذكرياته الممتدة على حقبات من العمر (أطالها الله). أجابني باستهجان المتواضع بزاد مؤلفاته و أبحاثه الجامعية: "من أنا لأسجل شريط ذكرياتي؟" قلت: لأنك كنت صاحب موقع حساس في مرحلة من عمر لبنان. لقد كنت الشاهد على احداث قررت مصير وطن. ولا تنسى أن الصداقة العائلية تجمعنا. وأننا, ما نحن إلا ابناء منطقة تقهرنا بمهمومها, وعدم القدرة على تعويض ما عجزت عنه أياد كثيرة سواء بالقرار المسبق أو المعجز الذاتي, وربما قبل كل شيء قرار المدير العام لمؤسسة المحفوظات الوطنية الاستاذ فؤاد عبيد الحريص على أرشيف كل شخص لبناني ذي تجربة وعطاء, حرصه على ذاكرة الوطن وتراث المواطنين".
قلت أيضاً: "لماذا الهروب؟ بإمكانك أن تبدأ ذكرياتك من قرب نبع العليق الذي شاءه الله أن ينطلق من البقاع ليروي الجنوب, إلى بيارد القمح, وسماء بعلبك القريبة من تخوم أصابعنا لشدة ما نهوى اتساع زرقتها ولمعان نجومها, إلى مدرّجات الجامعات الأمريكية التي أتاحت لك دخول حقل معرفي لم يكن سهلاً ارتياده, إلى دراستك الأكاديمية وأسئلتك حيث كانت ثانيات اندهشاتك, إلى مجيئك إلى حركة المحروميين...".
لم يدعني أكمل, فالرواية لديه باتت فرض عين...قال: "سيكون الإمام المغيّب السيد موسى الصدر بطل الرواية, معه وفيه تكمن الذكريات ومعه وفيه تبدأ وتنتهي".
وهكذا بدأ الحوار ذات أمسية من أمسيات شتاء في منزله (في محلة كليمنصو) بحضور زوجته ورفيقة عمره الصديقة السيدة مهربان... تتالت أشرطة التسجيل, وتدافعت الذكريات والمحطات, تداخل فيها الشخصي بالمعرفي, بالسياسي, بالمنزلة التي احتلها الدكتور بين أوائل عند سماحة الإمام, ليكون الصديق, وأمين مجلس الأمانات, وكاتم الأسرار... ليروي بين غصة ودمعة حدث التلاقي الأول مع سماحته, وسطوة الكاريزما التي لا تنسى... إلى سنوات مطلعها سبعينات الجمر والرماد, إلى ما قبل نهاياتها حيث ما يزال اللغز لغزاً؟!.
على مدى ساعات من ليل ونهار, تلا حسين كنعان مكتوم ذكرياته, رافضاً التركيز على الجانب الشخصي, مؤثراً الكلام عن سماحة السيد الإمام المغيّب... فكان حظنا منه كتاباً اقتنص فيه من نفسه ما كان حقاً عليه أن يقول في شهادة الحق للإمام القائد في تاريخ المنطقة ولبنان.