ذاكرتي على الطرقات…

لقد أحببت الصحافة المكتوبة الى الحد الذي أبعدني عن الاهتمام بعالمي المرئي والمسموع...
ومع التطور الذي اصابهما فإنني ما زلت على قناعتي... فالمكتوب هو"الاثبت " ,"  الابقى" والموصل الجيد لحرارة الكلام...
فالمرئي والمسموع يذهبان "عبر الاثير" كما اتجاه بثهما.
آراء كثيرة تثير نقاشاً حول دورّي المرئي والمسموع وعن أخذهما الحيز   الاكبر من جماهير "المكتوب" لكن هذه اللآراء ستبقى كثيرة ومتفاوتة طالما   ان الحياة باقية في ديناميتها وتنوعها.
والذي أبقاني على قناعتي الذي ذكرت هو "التفليسة" الرسالية  والذوقية   والثقافية التي تبدت في محطات التلفزة في لبنان مجال متابعتنا، وكيفما   اختلفت اسماء هذه المحطات فإن المضمون يتقارب "بتسطيح" المواضيع قيد   المعالجة.
قناعيتي هذه، منعتني من قبول عروض عمل كثيرة في المرئي وإن كنت قد "خضتها" لسنة تقريباً في المسموع وكانت محببة...

***
أعترف بداية، بأن صعوبة ما ،الى تعكرٍ في المزاج اصاباني منذ عام، منذ   اعوام، أفقدا بعضاً من حميمية علاقتي الخاصة بمهنة البحث عن المتاعب...
واعترف صدقاً، والصدق من ميزاتي التي بقدر ما تريحني فهي تنغّص نباهتي،   أنه اشعرني بسذاجة ستظهر وأنا أروي تجربتي الصعبة في علاقتي مع   "الآخرين"...
أوري لنفسي، ان سلوكاً ما طرأ على تربيتي – قناعاتي، فبتّ اميل الى قبول   "الآخر" ،احترامه، الاعتراف به... واكتسبت مع مرور الزمن، ومرور "الآخرين"   من هنا وهناك القدرة على التنبه اكثر فأكثر الى هذه المفردة التي طرأت   حديثاً على ثقافتي ومشاعري.
كنت في بدايات عملي... أؤمن ان الكل واحد، وانه متماهٍ مع "آخرين".!
لم لا ؟! فالحرب في ديارنا جميعاً... والقصف من فوق سطوحنا.... والنار   ستلتهم حتماً بريق عيوننا، والانوار ستطفأ، والكل سيغرق في الظلام بما فيهم   "الاخرون"...
وسينبثق فجر يوم آخر، له تاريخ بدءاً من اليوم، فالشهر، فالسنة، لينتهي ويتجدد وما نزال الى أن؟!
جمعتني مهنة الصحافة وكنت في سجلاتها بُعَيد انقضاء سنتي الجامعية   اللأولى في كلية الاعلام الجامعة اللبنانية، مع "آخرين" تجذرت وما تزال   دهشة اللقاء الاول بيني وبينهم، التي تحصّنت عبر سنوات القصف والخوف بحلاوة   الذكريات ومرارتها... وفيض موثق بالاحترام والمودة، ولكن...
لقد اوقعتني المهنة بالكثير من المفاجآت، وعملت بي جراحاً في النفس لمّا   تندمل... وتناقضت مع الذي به أؤمن كسلوك حياتي - انساني و... مصالح   "الآخرين.  "
 فصرنا أكثر من "الكل الواحد" الذي توهمته في بدايات ركوب المخاطر..
كنت قد ولدت وتربيت في بيت والدي الذي يتعاطى العمل السياسي، وبين محيط   ينفعل ويتفاعل مع المحيط الواسع واللأوسع، المتدفق افكاراً وعقائد،   وايديولوجيات، وصوراً لزعماء أفرحني حفظ اسمائهم باكراً... وفي سن مبكرة   كنت قد جمعت صوراً من الصحف المتوافرة في بيتنا لجمال عبد الناصر، غاندي،   نهرو، تيتو، كنيدي المقتول، بن بلا الثائر، لومومبا المضطهد، وعدد من   الفدائيين الفلسطينيين الأوائل في نقائهم، وجميلة بو حريد الجزائرية   وكثر... الى قصائد لشعراء طبعوا بدايات تكويني النفسي والفكري، فكانت   فلسطين وافريقيا والزنزانات المظلة الى اعتزازي بانتماء ثقافي قومي لا ارغب   بتجاهله "كرمال الآخرين"... مع احتفاظي بكمية الدموع التي تساقطت من عيوني   يوم هزيمة الخامس من حزيران 1967، تلك الهزيمة المستدامة من يوم بدأت   تاريخاً ورمزاً ونتائج، لأن من حولي كا يُجهش بالبكاء ،الى دموع الفرح وقد   وعيتها بنتائج حرب تشرين 1973 ، مأخوذة بالنظر الى صور الرئيس حافظ الاسد   التي اخذت أكثر فأكثر بالإطالة.
إذن ،كانت بداياتي مسلحة برصيد ما معرفي، بالعواطف ولا أدينها،والانتماء   الى ثوابت أفكار ترسخت، وتفاصيل أفكار نمت، ونضجت، وتطورت، فتغيّر مفهومي   الخاص تجاهها، دونما أي تغيير ينال جوهر شخصي ككائن بشري...
وتسلحت ايضاً بعنصري الحشرية والاندهاش، فوفرت لي اللأولى ملاحقة الحدث   المهني ،وملازمته. كما امدّني الثاني بعنصر الاستمرار، وفيه - من دون نكران   - بعض من الطفولة التي احب...
أما الجرأة التي طبعت أعمالي طيلة سنوات، فقد صقلت جرأة الذات عندي في   السؤال ،والتقصي ،دونما زلل  في انتهاك ذات الآخرين وكرامتهم، وايضاً جرأة   المغامرة والنزول في أزقة المتحاربين...
استطيع بناءً على عنصري الحشرية والاندهاش-والجرأة كذلك-أن أقسّم عملي   الى قسمين : الحوار وفيه طموح السؤال اللامحدود (وقد اصدرت كتاباً حوى ما   يناهز المائة حوار سياسي كنت قد أجريتها ما بين 82 و 94 بعنوان : "حاورتهم   منى سكرية") ...والمغامرة وفيها تأريخ شبه يومي لوقائع الحرب الأهلية :   قتلى ، جرحى، جثث ،خراب ودمار، اسلاك كهربائية متقطعة، مياه متدفقة في   الطرقات، سيارات محترقة... دموع غزيرة، موت روحي.. حب بقاء..
عيناي التقطتا صوراً، واكبتني عبر أقلام وأوراق ومطابع سوداء الحبر كما الكثير من تلك السنوات....
في اجتياح 82 عايشت الحصار اللإسرائيلي في بيروت وكتبت في مجلة وزملاء لي ما شاهدنا، ثم توقفت المجلة عن الصدور، فلم نهجر الحصار..
كثيرة هي ذكريات حقبة الاجتياح الاسرائيلي في العام 82... والاكثر منها   تلك الاسئلة حولها، عما سبقها : لماذا كانت الشوراع مسرحاً لاقتتال الفصائل   "المتوحدة" ضد العدو الواحد؟ ولماذا سَهُلَ تراجعها  امام جحافل دباباته؟   ولماذا رخصت عقولنا امام مفاوضات جرت خلف الكواليس؟ ولماذا ولماذا؟
اذكر ان شعوراً لدي كان أقوى من الموت. لم أتذكر الموت. لم آبه له...   تنقلت مع مصوّر الى طوارئ مستشفى الجامعة الاميركية التي بقيت وحيدةً في   معالجة الطارئ من الاحداث، "فالبربير" و"المقاصد" وكلتاهما عريقتان في   الخدمات الطبية بات الوصول اليهما متعذراً لقربهما من خطوط التماس   التقليدية التي قسمت قلب بيروت الى بيروتين.
وانتقلت والمصور الى المباني التي دمرتها الطائرات المغيرة كلياً او   جزئياً في منطقة برج ابي حيدر، ورأيت بأمَّي عينيَّ، وكنت على شرفة منزل   احد الاصدقاء في منطقة تلة الخياط، سقوط المبنى المؤلف من ثماني طبقات (الى   جهة مبنى معهد الانماء العربي) وكان سبق ذلك غارتان لطائرتين إسرائيليتين   ألقتا صورايخاً ضخمة الحجم باتجاه أعمدة الطبقة السفلى للمبنى... وفي   ثوان... كان سقوط المبنى بكامله قبل تفكك طبقاته لحظة انبطاحه ارضاً،   وأتذكر لهفتي للوصول الى حيث لم يعد مبنى "عكر" موجوداً في محلة الصنائع   بفعل القنبلة الفراغية الحديثة التقنية والاستخدام.
في 82 قبعنا في ملجأ مبنى مجلة الشراع، وانظم إلينا كثير من الجيران والاصدقاء من الرافضين خيانة بيروت بتركها تحت القصف.
الى العمل لإصدار مجلّة، عملت على تلقي الاتصالات الهاتفية في   السنترال... ثم غادرت لأسبوعين الى قريتي في منطقة بعلبك وعدت لتكون المرة   الاولى التي اعبر فيها حاجز بلدة صوفر الاسرائيلي... وسيراً على الأقدام   كانت "النزهة" في غاليري سمعان الى المصيطبة في بيروت الغربية. لنعش   المحاذير من نوع آخر.. فالاجتياح تسلل الى عروق المدينة... الخطاب السياسي   تبدل في انقلابات متسارعة... وعلى تخوم العاصمة في صبرا وشاتيلا، ثمة   المئات من البطون التي بٌقرت ،والعيون التي سُلمِت ،والاعناق التي ذُبحت   ،والروائح التي فاحت من الجثث بسبب الوحشية التي ارتكبت... كان الوجوم   مسيطراً، ورائحة الموت آخذة بالهجوم على المدينة، ليكون يوم 17 ايلول   مشهوداً في انطلاقة مقاومة الاحتلال الاسرائيلي للعاصمة من مقهى "الويمبي"   في الحمرا.
في العام 83 "تحايلت" في تحقيقاتي الميداني على قرار الرقابة على الصحف....
فالتحقيق الميداني المكتوب هو اللأكثر تعبيراً عن الاحتجاج او الاعتراض   ،او التورية أمام مقص الرقيب، فالتحقيق الذي يكتب واصفاً اوضاع الناس   الاجتماعية والاقتصادية هو "احتجاج" و"تحايل" ،والتحقيق الذي ينقل صرخات   رؤساء تحرير الصحف الصادرة يومها دفاعاً عن الحريات هو "مقاومة". وكذلك   اللإشارة المتكررة الى جمود الانشطة الثقافية هو أكثر من "تحايل" وأفعل من   استنكار…
 في العام 83 اجريت سلسلة مقابلات مع مسؤولين وعاملين في أجهزة الدفاع   المدني العاملة على الارض حول تجربتهم ومشاهداتهم والابقى أثراً في   ذاكرتهم، لتشكل مجزرة صبرا وشاتيلا محور تلك المقابلات "للتحايل" على قرار   منع أي ذكر لتلك المجزرة في وسائل الاعلام يومها "ستصدر هذه المقابلات الى   جانب وقائع موثقة بالاسماء عن مجزرة صبرا وشاتيلا في كتاب للدكتورة بيان   نويهض"
في العام 84 وفي ساحة بلدة بحمدون وفي اثناء ما عُرف بحرب الجبل وقفت   احصي عدد الجثث المحترقة ،الملقاة على الارض…. كما لو أنه مشهد تلفزيوني   مفبرك! أو كما لو انني لا انتمي إلاّ الى عالم مهنة البحث عن المتاعب.. بلا   مشاعر.. فكأنما الجثث ارقام وليست لبشر كانوا على قيد الحياة.
وعلى جسر الأولي كنت من أوائل من شاهد "الميركافا" الإسرائيلية وهي تستدير استعداداً لتنفيذ الانسحاب الاول في شباط 85
وفي العام 86 لازمني الموت مرّات عدة على حواجز الميليشيات المتقاتلة بيننا في الازقة.
قبل ذاك العام، كانت المناطق التي اصطلح على تسميتها "بالوطنية   والاسلامية" قد شارفت على الجنون.. أحياء بلا أحياء.. أرزاق مقطوعة لحساب   "أبو" و "أبو" وأبو" ..منازل قيد الاستباحة ساعة يهوى "زعيم" هذا الحي او   ذاك…. ارواح قد لا تعود إذا ما قرر "مجهول الهوية" ان يأخذ مهنة   عزرائيل….
سنوات من اليأس والبؤس والقرف عاشتها زواريب المناطق الوطنية   والإاسلامية ببطولات ديوكها في لعبة يومية كانت مميتة.. والمميت حقاً يومها   كانت شعارات تلك المرحلة المعمدة بالدم.. واللجان التي استولدت لجاناً..   سنوات بدأت ما بعد أحداث السادس من شباط 84 (رفض الحال السياسية التي كانت   سائدة)، الى شباط 87 (دخول الجيش العربي السوري لإعادة الامن والهدوء)   ،تميّزت باللإضطراب والإقتتال والدموية و "التسلية" بكل انواع اللأسلحة   والشعارات الممجوجة.. لتبدأ بعدها أزمات سياسية جديدة تمثّلت بعدم انتخاب   رئيس جديد للجمهورية   (صيف 88)،لتصبح أكثر دموية في العام 89 مع إعلان   رئيس الحكومة العسكرية حينها العماد ميشال عون "حربه التحريرية" فخلت بيروت   مجدداً من ناسها، وفرغت الطرقات المؤدية إليها فَسُلِك طريق الجنوب وحيداً   ،مكتظاً بأهله المهجرين اصلاً بفعل القصف الاسرائيلي، ومعهم كثر من   الطارئين في لجوئهم.
في العام 87 "اكتشفت" القضية الارترية في معاقلها، بعد 18 ساعة عبور في الشاحنة في الصحراء السودانية.
وفي العام 88 "دوّنت" يوميات عدد كبير من النواب وعبر الهاتف يوم تعطل انتخاب رئيس جديد للجمهورية…
وفي العام 89 تحديث الموت مراراً، وحلمت بالمأكل والنظافة..
وفي بيروت، كما لو أنني كنت أقوم بزيارة صباحية الى حيث مواقع   المتقاتلين ..وأمزجتهم.. ومزاجية قراراتهم في الحوار الرصاصي المادة.. وما   علينا سوى اختيار كتابة الخبر.. فذالك المقاتل المدجج بسلاحه لم ينِِِِِ   يشهر مسدسه باتجاهي لولا سرعة نباهة إحدى زميلاتي فأوقفته.. وذاك الذي   أرغمنا على التراجع متراً واحداً برصاصة أطلقها ارضاً فإرتدت الى جهة متراس   الرمل.. وتلك الرصاصة اخترقت عنق زميلي المصور رمزي حيدر على جبهة بلدة   سوق الغرب وكنا قد انتهينا من مشاهدات طبعت الذاكرة في حرب الجبل.. او   عندما اختبأنا كالفئران نطلب اللجوء خلف ابواب حديدية نال منها الصدأ في   أحياء مدينة طرابلس القديمة قبل ان تنال منها اسلحة المتقاتلين…
وفي العام 90 كنت قد غادرت الى فرنسا بعد اختياري كواحدة من 5 صحافيين من دول العالم...
ذاكرتي على الطرقات... أعرف كل الدروب من والى العاصمة، من والى حيث مكاتب العمل والورق الساخن مطبوعاً صبيحة اليوم التالي..
أعرف أشجار منطقة الجنوب وشتول تبغها ومواقع حصار الإاسرائيلي لبلداتها   والأاسلاك الشائكة التي سورت أعمار المئات من الشباب والشابات... والى   الى..
أجزم،- أحب صدقي وأمقته في آن لاقتراب وصفه بالسذاجة -أنني ما اتكأت الى   مخدة وثيرة بأكثر من رؤية متاريس الرمل المنتشرة بدلاً من آنيات الزهور..   وأنني ما استكنت الى أهلي وعائلتي بأكثر من اللأوقات التي احتميت فيها بين   زملاء واصدقاء كانوا الأهل وعنصر الاطمئنان والدراية...
أذكر دقيقة بدقيقة، تلك السنوات، أية فكرة طرأت على مخيلتي؟! وأي جنون   انتابني فرحلت باكراً والمصور الى حيث مواقع الخطر. كل اللأسئلة التي سألت،   وكل اللأشخاص الذين التقيت، وحاورت واستفززت، فأخرجتهم من اعتصامهم بالصمت   لأخراج "بعناوين بارزة" متميّزة الى الآن... او لأخرج من عند بعضهم الى لا   رجعة ."شحطوني".
ولن انسى ما قاسيناه جميعاً في حصار هنا، وانزواء على أدراج المؤسسات   التي عملت فيها اتقاء لقصف مباغت، فعشت وزملائي ندرة المأكل، ندرة رهافة   الجلوس الى الأرائك، شح نعمة المياه الساخنة على أجسامنا الملتحمة   "بالجينز"، و"دلع البنات" في ارتداء الملابس الانيقة وآخر صرعات الموضة..
بيني وبين بنطلون الجينز تاريخ من السنوات.. ولكم أدهش ارتدائي الفستان الكثير ممن يعرفونني "بأخت الرجال".
"أخت الرجال" او "ما من شاب غيرها" صفة ألصقت بي تحبباً، واعترافاً من   المسؤولين عني بقدرتي على تحمل الصعاب، والمغامرة تحت القصف، والكتابة في   أشد الاوقات حراجة...
واعترف ان شعوراً بالتحدي، والثقة بالذات تملكاني جراء تلك التسمية..
 لم يكن في اللأمر انتقاص من أنوثتي. فهي مني ولي، ولم يكن في اللأمر إضفاء   سمة غير إنسانية على سلوكي.. على العكس.. لقد اختبرت قدرتي على المساواة   الانسانية مع "الآخرين" وربما تفوقت.. فكنت أكثر جرأة من الكثير من الشباب   وكنت الأكثر ابتكاراً لأفكاري وهنا حقيقة التحدي.. وكنت من الحائزين على   منحة مؤسسة رويتر العالمية للعام 89 -90 كواحدة من 5 صحافيين في دول   العالم..
كنت مندهشة لوقوع الاختيار عليّ وكنت آمنة لتبرير المؤسسة لاختياري، اي   لاختيار ما كنت قد كتبت بشكل يومي لوقائع القصف والعذاب "والتشرد"... ومع   ذلك لم أحز حتى الآن ما يرضي سنيّ تعبي.. بسبب كثر من "الآخرين" ..ما   يرضيني هو حيازة مودة واحترام من يملكون الاحترام... وهم يختلفون عن صنف   آخر من البشر تستوي لديهم الكفاءة مع الانتهازية.
ذكرت أنه بسبب كثر من "الآخرين" لم احز منصباً ما وأؤكد ان أسباباً   تداخلت فيها مصالح أصحاب المؤسسات لعبت دوراً رئيسيا، فنحن لسنا بمجتمع   يمارس قيم الديموقراطية، إنما ندعيها تغطية .. فكلنا نرث ونورث.. وبعضنا   يعاني عصبية ما لكفاءة غير موجودة.

***
كنت أحوز قدراً كبيراً من محبة من حولي في العمل... فليس في سلوكي   الشخصي ما يسيء... بل في سلوكي المهني - الشخصي ما يجعلني أشعر بأن هناك   اتكالاً رئيسياً عليّ.. وفي ذلك تكمن سعادتي.. وفي ذلك تنعدم روح العداء او   العدائية ..من جهتي على اللأقل ،ولا أنكر أنني شعرت بها من "آخرين"..
 كنت أختار المصاعب.. فكنت أعمل. ولم أختر الركون الى الطاولة والكرسي.. فلا اعمل..
في العمل الأاسبوعي (مجلة الشراع) ولمدة ست سنوات، عملت وكأنه عمل يومي:   في إجراء الحوار السياسي، في كتابة التحقيق الميداني، في التطفل على بعض   المواد ذات الطابع الثقافي، في تغطية المؤتمرات إلخ... وهذا ما قمت به يوم   انتقلت الى جريدة السفير (اوائل شباط 86 -ايلول 1994).
سنوات من المعارك المتتالية ،المحاور الملتهبة قصفاً وقنصاً .. اللأحداث   السياسية غير المفهومة.. الهدنات التي تخترقها قذائف التصريحات النارية..   كانت هذه أبرز عناوين عملنا اليومي في تلك السنوات، فكيف لهذه العناوين ان   تقرأ دونما جندي مجهول - معلوم..
إن الفترة ما بين بدايات عملي منتصف العام 1980، وأواخر ايلول 1994 تكاد   تكون نسخة واحدة متكررة : إنها الحرب ونتائج الحرب.. أي انها الموت.. اي   إنها الدوران حول الذات.. ومع ذلك، كنت ممن يكرر صباحاته.. في العمل من   التاسعة حيث فنجان القهوة والسيجارة والتقاء الزملاء، بمثابة الحقن المنشطة   ليوم محموم بالمشاكل..
ويتبع بعدها لهاث خلف أحداث وقعت.. الى عودة مسائية تتأخر بقرار من   الحدث نفسه، ولطالما كنا نعود مع بدايات لون الفجر اللأزرق الى بيوتنا..
مهنتي اختصرت سنوات عديدة من عمري.. صرنا توأمين.. أحببتها وأحبتني..   أعطيتها وأعطتني.. جعلت الزمن كثيفاً في ذاكرتي، ونقلت عبرها الى ذاكرة   الزمن احداثاً ومشاهد ووقائع، تدل على عاديات تلك الفترة.
اقترتب بتماهٍ مع موقع الحدث، وقرَّبتني اللأحداث من لحظات الموت ولي   معها محطات : قذيفة سقطت بعد مروري لحظات.. واخرى سقطت قبل وصولي الى مكان   معين.. سيارة ملغومة انفجرت، فكنت في عداد أوائل الواصلين لقربي من موقع   الانفجار.
تعودني الذاكرة مراراً الى سنوات خلت، بل لأقل انها طالما شكلت الحديث المشترك وزملائي كلما اجتمعنا..
في العام 89 وعلى أدراج مبنى جريدة السفير، انتظرنا بشغف قطعة الجبنة   ،وكنا نهلل حقاً لوصول ربطة الخبر.. وكنا نستفيق بفرح، لولادة "العدد"   المنبعث من بين الموت.. وبجهودنا..
لم أشعر في مهنتي بتمييز بين "صبيان" و"بنات"وإن كانت الغلبة في موقع   القرار دائماً للرجال ، كي لا أقول للصبية ؟! إلى أن تأكدت أن هذا هو واقع   الحال ايضا..
فالجهد، واللإجهاد ، والقسوة في العمل اليومي، لا يكفي للانتقال من   طاولة الى اخرى.. بل على العكس، فإن ما حصل معي انني انتقلت اثر سنوات   مميتة من التعب الى لا طاولة.. الى لا مكان.. فقط الى ذاكرة تضجر من   الاستكانة.. مع بطءٍ مهني اصابني منذ عام.... منذ اعوام... لتبدل طرأ على   وظيفة المهنة بذاتها.. وما شاب اجواءها من رماديات.. الى صعود مريب في   تراتبيات العمل دونما "عامل"، حقيقي.. فكان ان طغى شعور الاستسلام لدي   ،والترقب بحذر لا يشوبه أي هدوء...

هذا النص منشور في كتاب "باحثات" السنوي للعام 1999-2000 (العدد السادس) الصادر عن تجمع الباحثات اللبنانيات