محمد حسين فضل الله
عن سنوات ومواقف وشخصيات
بدأت الفكرة لديّ بأمنية طالما غمرت مشاعري وعقلي, تلجمها حسرة قصر الفهم عن إدراك الأبعاد الفكرية والثقافية والفقهية والدينية "لسماحة السيد".في العام 1983, كانت زيارتي الأولى إلى مجلس "سماحته" في منزله في بئر العبد, برفقة مدير مجلة الشراع يومذاك وليد نويهض.
كان مجلس "السيد" وسيعاً للمقاعد والكراسي, واسعاً للأفكار قيد الطرح والنقاش, مليئاً بحضور متعدد الأعمار, وإن بغالبية شبابية, ومتميز بنكهة شاي تلحّ على متناولها بالاستزادة.
صمتٌ, وسماعٌ لرجل جليل, وضّاء الوجه, يتصدر المكان. يملأ فضاءه... ومن هذا الفضاء, وعبر الأثير, نلحظ إشراقة الوجه قبل أن نرى تفاصيله.
تنصت بملء جوارحك... تخشى ضياع ما تسمع... تفهم أو لا تفهم, فليس ذاك بالأمر المهم, فسيبقى لك ما تلتقطه: فكرة, نصيحة, نغمة صوت حزين, لكنة عراقية محّببة, فيضان أفكار لا يتسع لها الزمن.
عمامة الرأس السوداء, تحركها أصابع يدين بين فينة وأخرى. تعيد تثبيتها, دونما تأثير على ثبات الفكرة المنطلقة بجموح.
في الزيارة الأولى وما تلاها من زيارات, التزمت بشدة تعليمات وليد نويهض بعدم التفوه, أو التحرك... ولكن هذا لم يمنع لفتة راقية بإنسانيتها, أبداها سماحة السيد تجاهي لدى مغادرتنا المجلس.
تكريمه لي, كات تشجيعاً لطرق الباب مراراً بأسئلتي التي امتدت طوال سنوات عملي في مهنة الصحافة, حصدت خلالها أهم المقابلات والأحاديث.
كنت "أحدس" توقيتها, وأستشعر عنوانها الأبرز. كنت كمن يقتحم سوراً.
كانت أسئلتي تزداد بما كنت اعتقده السؤال الجريء, المحرج, المتجاوز للسقوف, أمام التشجيع اللامتناهي من "سماحته" لطرح اي سؤال, "فلا مقدسات في السؤال, لأنه جزء من حرية الإنسان" قال: "ولا سؤال تافه أو محرج", يقول.
للحظات تشعر أنك أمام فخ... ما يلبث أن يتبدد أمام احترام إنسانية هذا الانسان لإنسانيتك.
سنوات عديدة, حملت فيها أوراقي وقلمي وآلة التسجيل, وقصدت مجلس "السيد", فالموعد يحتسب بالثواني, ولا مجال للتأخير.
لقد ساعدت أمانتي في دخول هذا المجلس الكريم, كما في دخول أي منزل آخر, أن أحظى بإحترام من سماحته أحسد نفسي عليه, وأشكر الله على نعمته هذه, وكانت حصيلته بعد كل هذه السنوات نصاً حوارياً اردته كتاباً... فكانت الموافقة ... وكانت البداية عند الساعة التاسعة من يوم الإثنين الواقع في 25 تموز 2005, على أمل أن ينتهي بمثل هذا التاريخ من العام 2006... لكنه العدوان الإسرائيلي على لبنان يوم 12 تموز 2006.
لم يعد للموعد مكان, لأنه لم يعد "للسيد" مكان إقامة, فهو مستهدف من العدو اللئيم... لم يبق لمنزله أية معالم سوى التراب. لقد ألصقه الطيران الحربي الإسرائيلي بتراب الأرض.
تجددت الأسئلة... استجد الكثير منها... طبعها شعور النصر والحزن معاً... توقف العدوان, وكان اللقاء الأول يوم 28/أيلول/2006, في الطبقة الثانية تحت الأرض من مبنى مسجد الإمامين الحسنين... في هذا المكان, يستمر "سماحة السيد" الفقير – الغني في ممارسة عمله اليومي... وما أغناه.
"حديث الإثنين", الذي بدأ عند التاسعة من مساء يوم الإثنين, انتقل إلى الساعة التاسعة من صباح كل يوم إثنين, وغابت عنه المواعيد في أيام شهر رمضان المبارك, وموسم الحج, وذكرى عاشوراء... والأوضاع الصحية غير المستقرة بين حين وآخر لسماحته... وطبعاً العدوان الإسرائيلي.
لكنّ الكتاب أخيراً أخذ طريقه إلى الصدور. فأرجو من الله سبحانه وتعالى أن يملأ نفسي بالطمأنينة, والا أنال من "سماحته" غير الرضى.
مواضيع هذا الكتاب تمحورت حول الاسلام والحوار, الإسلام والعلم, بناء الإنسان, ومزج من ذكريات شخصية...
أما المنطلق الأساس لهذا كله, فكان السؤال: ماذا حلّ بنا بعد 11 أيلول؟ ولكن برغبة النقد الإيجابي لما لنا وما علينا من تأخر وتخلف, ولما للغرب وما عليه من الكثير من قلة العدالة تجاهنا... وبينهما, ما كان يستجد مطلع كل أسبوع كحدث أبرز, فرضته الظروف…